الغزالي

126

مكاشفة القلوب المقرب إلى علام الغيوب

عزّ وجلّ لمشوا على الماء والريح . فسبحان من جعل الإقرار بالعجز عن إدراك معرفته إيمانا ، كما جعل إقرار المنعم عليه بالعجز عن إدراك شكره شكرا . قال محمود الورّاق : إذا كان شكري نعمة اللّه نعمة * عليّ له في مثلها يجب الشكر فكيف بلوغ الشكر إلا بفضله * وإن طالت الأيام واتّصل العمر إذا مسّ بالسّراء عمّ سرورها * وإن مسّ بالضراء أعقبها الأجر وما منهما إلّا له فيه نعمة * تضيق لها الأوهام والبرّ والبحر وإذا ثبت العلم بالربوبية تعيّن الإقرار بالعبودية ، وإذا تقرّر الإيمان في القلب وجبت الطاعة للربّ . والإيمان نوعان : ظاهر وباطن . فالظاهر النطق باللسان ، والباطن الاعتقاد بالقلب . والمؤمنون متباينون في منازل القرب ، متفاوتون في درجات الطاعة . والإيمان جامع لهم بقدر حظّ كلّ واحد منهم من الموهبة ، وتمكّنه من علوّ المرتبة في الإخلاص للّه ، والتوكّل عليه ، والرضا بحكمه . فأمّا الإخلاص : فألا يطلب العبد بما يعمل جزاء من الخالق وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَما تَعْمَلُونَ « 1 » فإن كانت الطاعة رجاء للمثوبة ، وخوفا من العقوبة فذلك العبد لا يكون كامل الإخلاص ، فإنه لنفسه سعى . روي أنه صلّى اللّه عليه وسلّم قال : « لا يكن أحدكم كالكلب السوء ، إن خاف عمل ، ولا كالأجير السوء ، إن لم يعط أجرا لم يعمل » . وقال تعالى : وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلى حَرْفٍ فَإِنْ أَصابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيا وَالْآخِرَةَ « 2 » . وإنّما تعيّنت علينا عبادته ، ووجبت طاعته بما سبق له من الفضل علينا ، وتقدّم له

--> ( 1 ) سورة الصافات ، الآية : 96 . ( 2 ) سورة الحج ، الآية : 11 .